المعانـــــي…
عند غروب شمس أحد الأيام في مدينة برشلونة , كان شاب يمشي في شارع الرامبلا, قرب ساحة كاتالونيا , استوقفه رسام عجوز كان يرسم شخصا أمامه , و قد تعجب منه فهو يرسم صورة مختلفة تماما للشخص الذي يقف ليرسمه …!!
أخذ الرسام العجوز نظرة لذاك الشاب .. فابتسم الشاب وطلب منه بإشارة من يديه أن يبقى قريبا منه ليشاهد رسمه , ففهم الرسام العجوز أن الشاب أبكم , فابتسم بتلقائية, و هزّ رأسه أن نعم .
وحين أنهى رسمه , ناول الرسم لصاحبه وهو ينظر لردة فعله , قال ذاك الشخص حين رأى الرسم :
- ولكن هذه الصورة لا تشبهني أبدا !؟! رد العجوز:
- بلى… إنها تشبهك تماما .
- ولكنها صورة وجه آخر جميل , وأنا لست كذلك ؟
- إن عينيّ رأت في وجهك هذا الجمال … هذا ما رأيته فعلا . تبسم صاحب الصورة ثم قال :
- ولكنك رسمت من كان قبلي على نحو آخر فقد كان رسمه يشبه صورته تماما .. ضحك العجوز, ثم قال له :
- لقد رأيته أنا أيضا كما رأيته أنت … ثم استطرد قائلا :
- نحن يا بني لا نجيد فهم الأمور إلا من خلال الأشياء المحيطة بنا … لقد مكث من كان قبلك هنا يوما كاملا منذ الصباح , ولم أشاهد فيه سوى صورته العينية , لم يفعل شيئا أبدا , ولم أحس بوجوده… حين طلب مني أن أرسمه قبل ساعة , نظرت إليه , و رسمت ما رأيته في ربع ساعة, و حين غادر لم أحسَ به كذلك , و هو يتناول صورته مني, و ينقدني المال ! أما أنت فقد رأيتك الساعة , و سمعت حديثك مع الطفلين لمَا كانا هنا قبل قليل, و كنت أنا حينها أرسم ذاك الشخص , و أستمع لحديثك اللطيف الشيق , وعلمت كذلك بأنك اصطنعت تلك القصة الجميلة لهما , حين علمت أنهما يتيمان… لقد كان حديثك يفيض إشراقا كالشمس في وجه الصغيرين , وبدا لي و كأنهما يزقزقان معك كعصفورين تائهين اهتديا لظل بعيد. ابتسم الشاب ثم خلع قبعته و وضعها على صدره وكأنه يحييه:
- ما قيمة الحياة سيدي, إن لم نكن تلك المياه التي تدير سواقيها… إن لم نكن نحن لتلك الفراشات الصغيرة الملونة التي تطير مختطفة فضائها القريب من تحت أسراب الطيور البعيدة… قال ذلك ثم غادر .
بقي الشاب الأبكم ينظر في الرجل العجوز , و هو ينظر في صاحب الصورة , حتى غاب عن الأنظار , طلب من الرسام قلم الفحم, فأعطاه العجوز له , و هو يعلم بأن هذا الشاب الأبكم يريد أن يكتب له شيئا , ثم وضع له لوحة بيضاء جديدة , فكتب الشاب برأس الصفحة, و بخط جميل :
- قيمة الأشياء هي فيما تحمله من معاني لذواتنا نحن .. لكن هل نحمل في داخلنا ذاتا واحدة تصوَر المعاني …؟؟؟!! كان العجوز يفكر في عُمق ما كُتب , و دون أن ينظر في الشاب , كتب يرد بعد قليل :
- إن انتماء الإنسان لذاته وانسجامه معها يجعل منه نموذجا يصعب تمزيقه أو تذويب أجزاءً منه .. وإن تنكر لذاته مرة دون أن يقصد عقله الواعي ذلك , فإن المقاصد لديه ليست بذريعة يحتمي بها من خلق إشكاليات تناقض الذات… هناك فندق في ألمانيا يكتب عبارة جميلة بجانب مخدع النوم في كل حجرة " إذا لم تستطع أن تهنأ بالنوم , فهذا ليس بسبب أسرتنا , فإن فُرشنا وثيرة , و لكن ذنبوك كثيرة " ... توقف العجوز عن الكتابة ثم تابع يستكمل كتابته في بداية سطر جديد , و كأنَه يريد أن يوضَح شيئا ما :
- ربما كانت الأمور الصغيرة لدى بعض الناس , هي أمورا كبيرة عظيمة لدى غيرهم …فقيمة الشيء هي في ذات الإنسان لا في ذاتها هي.. فكتب الشاب بعد برهة :
- إذن فالتصور الحقيقي للأشياء تصور مرهون بالإيمان المُمتحن ..؟
- نعم هذا صحيح … ! يعجبني تعبيرك هذا… " الإيمان المُمتحن " ..!
- لقد أعجبني أنا حديثك عن المقاصد ؛ فأنت تؤمن أن الغاية لا تبرر الوسيلة ؟
- أجل ..حدثني الآن بما تؤمن به أنت ؟
- النفس في حقيقتها عدوة للذات, الأولى تنساق وراء الهوى , والأخرى تشدنا في اتجاه آخر تماما , نحو حقيقة وجود الإنسانية , هذا المسار هو مسار شاق صعب, و هو مسار التكليف الذي أمرنا به الرب , والتكليف في اللغة من فعل تكلف , و هو أن تفعل شيئا ضد طبعك, ونصل بذاك إلى أن الإنسان مخيَر, و لكن الله حماه من وحش طباع نفسه و كَلبِها , فربط قلبه العاقل به عزَ و جل, و أكرمه ؛ فسواه , وعدله , رغم كل شيء ! ذاك الذي يهذب طباع نفسه ليستوي مع ذاته هو ذاك الشخص الذي ينتمي لذاته وينسجم معها كما حدثتني أنت .
- أو كما قال نابليون " ذاك الذي يهزم نفسه أعظم من الذي يفتح مدينة " ..!
- نعم ….قل لي أين تعلمت هذا ؟
- علمتني الحياة ثمانين عاما , ولكن قل لي أنت كيف تعلمت كل هذا و متى , و من علمك إياه ؟
- علمني إياه رجل اسمه " محمد "..
- أنت مسلم ؟!
-
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |